الثلاثاء، 5 فبراير، 2013

• نصيحة أبٍ خاطئة



   "لأن ابني هو الشخص الوحيد في هذا العالم الذي أودّ أن أراه أفضل مني".
بهذه العبارة كان يفتتح أبوه أي حديث معه عن مستقبله الدراسي وهو صغير، وعن طموحاته في مرحلة الصبا، ورؤيته في الحياة بعدما صار رجلاً بالغًا.
ظلّ أبوه يرددها طول ثلاثين عامًا، دونما كللٍ أو ملل؛ بل دون أن يعيد النظر في جدواها، وكأنها تنزيل مقدّس.
من أجلها مارس والده ضده جميع أشكال الضغط كي يصبح طبيبًا مشهورًا، يرددها على أذنيه صباح مساء، وكثيرًا ما كان يصرخ بها بصوته الجهوري مؤنبًا ومعاتبًا وربما مؤدبًا.
وبرغم فشل الابن في تحقيق الحد الأدنى من طموحات والده، لم يُرد أبوه أن يعيد النظر في هذه المقولة أو يجري عليها بعض التعديلات.
لم يشأ أبوه -وكثير من آباء هذا الزمان- أن يراجع نفسه، ويصحّح سلوكه، ويكون أكثر صدقًا وواقعية مع نفسه وأبنائه، ويعترف بأنه أراد أن يحقق أحلامه هو من خلال ولده، طامسًا كل حلم أو طموح خاص بابنه.
الأب الطبيب الذي يريد من يرث اسمه وعيادته التي صنعها بعرق الجبين، الأب المحامي الذي يريد أن يظلّ مكتبه مفتوحًا أبد الدهر، الأب التاجر الذي يطمح في من يحافظ على كيانه الذي أصبح مثار حسد وغيرة البعض.. مطالب مشروعة في نظر صاحبها؛ لكنها في كثير من الأحيان تكون ظالمة للطرف الآخر.
ولأن الإبن ليس من الصنف الذي يعشق البكاء على اللبن المسكوب، ويُدمن الشكوى على ما فات، قرر أن يعيد ترتيب عبارة أبيه المقدسة بشكل أفضل لكليهما (الأب والابن)!
وهكذا قرر أن يعيش وفق قاعدته الشخصية التي تقول "ابني هو الشخص الوحيد في هذا العالم الذي أودّ أن أراه أسعد مني"، وليس أفضل مني!
أسعد منه بأسلوبه وفكره وأحلامه وأمانيه، بتجاربه الخاصة، وسمته الشخصية، وطموحاته التي قد تكون غريبة عليه وعلى جيله وقتها.
قرر -صادقًا- ألا يسرق منه حلمه أو يجهض أمانيه، أو يضطهد أحلامه وتطلّعاته، فقط له منه النصح والتوجيه والإرشاد؛ لكنه أبدًا لن يمارس سلطاته في جعله مسخًا من مجموع المسوخ الذين نصطدم بهم صباح مساء، وهم ذاهبون لتأدية أعمال لم يختاروها بملء إرادتهم، والدوران في دائرة وجدوا أنفسهم فجأة بداخلها.

إقرأ أيضًا



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق