الجمعة، 4 يناير، 2013

• قصص الأطفال: ديك في قاعة الامتحان



     
          أخيرًا، دقّ جرس المدرسة معلنا انتهاء وقت الامتحان، وفتح الحارس الباب الحديدي الأخضر، وبدأ التلاميذ يخرجون من مباني المدرسة إلى الساحة العامة، متجهين إلى الباب الخارجي.

 كان بعضهم يمشي بطيئاً، يحرص على فضّ غلاف قطعة حلوى ليلتهما فى نهم واضح، وكان البعض الآخر يبدو مرهقًا، فالامتحان موقف مجهد يجب اجتيازه بعد الاستعداد له. وفضّل عدد كبير أن يسرع للقاء الأهل المنتظرين عند الباب. وكالعادة، فإنك تجد بين تجمعات التلاميذ حلقات صغيرة، يجد أفرادها بعضهم بسرعة، ويجدون كلامًا كثيرًا يتحدثون به في أي وقت، أما في هذا الوقت- تحديدًا - فقد كان حديثهم عن أمور خاصة بالامتحان، مثل طول الأسئلة، واختبار الذكاء في السؤال الخامس، وغلظة مراقب القاعة. وفجأة، يتوقف الحديث عندما يمرون بدكان المدرسة، ويدعوهم أحدهم- ابتهاجًا بانتهاء أحد أيام الامتحان- إلى تناول مشروب مثلج، يطفئ حرارة الجو وحرارة الامتحان، فيشربون وهم يعودون إلى الثرثرة، ثم يتذكر أحدهم أن ثمة من ينتظره عند الباب، فيترك مشروبه ويلقي كلمة تحية سريعة، وهو يغادر أصدقاءه جريًا إلى الباب، ولايلبث الآخرون أن يتبعوه، ليلتقوا بالآباء والأمهات الواقفين، في قلق، أمام باب المدرسة.
          أما أحمد، فقد استمر يرتشف المشروب الرطب، وأرخى رباط عنقه، واستند إلى جذع شجرة عجوز يفترش ظلها رقعة كبيرة من ساحة المدرسة. ومع نهاية العصير الحلو في زجاجته، التفت حوله فوجد الساحة تكاد تخلو من زملائه. وامتد بصره فى اتجاه الباب، فوجد أمه تدخل إلي المدرسة، في حالة من الفزع خفّت حِدّتها عندما رأت ولدها يتقدم إليها ملوّحًا. وقفت تأخذ نفسًا عميقًا، وتحاول أن تتمالك نفسها وهى تعاتبه: "أين كنت يا أحمد، لقد خرج الجميع، قلقت عليك!".
          انتبه أحمد لخطئه، وأراد أن يصالحها، فأطال قامته بالوقوف على مقدمتي حذائه، وقبلها، فابتسمت راضية، ومررت أصابعها في شعره الجميل، وغادرا المدرسة إلى السيارة.
          فى الطريق إلى المنزل، قالت الأم: "خِلْتك تعثرت في الامتحان فجلست حزينًا فى ركن بعيد" قال أحمد: "أنا أتعثر في الامتحان وعندي في البيت أعظم مُدَرِّسة في العالم: أمي الحبيبة؟".
          ابتسمت الام وهى تميل بالسيارة إلى الطريق الرئيسي المؤدي إلى المنزل. قالت: "وأنت أذكى تلميذ عرفته".
          عاد يقول: "بالرغم من طول الأسئلة فقد أجبت عنها كلها، حتى تورّمت أصابعي". قالت: "أنا واثقة من قدراتك".
          قال أحمد: "خاصة في اللغة العربية". قالت الأم: "سنراجع ورقة الأسئلة بعد تناول الغداء، بإذن الله".
          قال احمد: إن شاء الله. وصمتا. الأم تركز انتباهها في الطريق المزدحم بالسيارات، وأحمد مستغرق فى متابعة بعض المنشآت والمتاجر التى تمر بها السيارة فجأة، عاد احمد إلى حديث الامتحان، وقال: "تصوري يا أمي، أغرب ما فيه كان موضوع التعبير الذي اخترت أن اكتب فيه!".
          سألت الأم: "ماهو؟ ". قال: "الديك!،. التفتت إليه أمه وعلى وجهها علامات الدهشة: "موضوع تعبير عن الديك!". قال أحمد: "نعم.. كان نص السؤال: أكتب موضوعًا عن فضل الديك عليك!". خفضت الأم سرعة السيارة لتتجاوز منحنىً حادًا في الطريق، ثم عادت تحدث أحمد: "موضوع غريب فعلاً، وأعتقد أنه صعب!". ابتسم أحمد في ثقة، وقال: وقد يكون صعبًا، ولكن ليس علي أنا". استمرت الأم تتحدث، غير مصدقة: "الديك؟ وهل للديك أفضال تستحق أن يكتب عنها الأطفال موضوعات التعبير؟" ومرة أخرى، يتحدث أحمد ثقة: "إنه اختبار للقدرة على التصرف".
          قالت الأم: "كان يمكن اختيار الموضوع الآخر، تحتوي ورقة الأسئلة عادة على موضوعين". قال أحمد: "أعجبني هذا الموضوع، قررت أن أختاره فور قراءتي للسؤال".
          هزّت الأم رأسها، في مزيج من الحيرة والدهشة، وسألت ابنها: "وماذا كتبت عن الديك أيها العبقري الصغير؟".
          انطلق أحمد يحكي: "طبعًا، استعنت بكل قراءاتى وخبرتى بالطيور التي أهوى مراقبتها في زياراتنا لمزرعة جدي، ثم تركت لخيالى العنان، قلت إن الديك طائر داجن جميل المظهر، وإنه يمتلك عُرفًا أحمر كبيرًا، يميزه عن الدجاجة، يهتز وهو يسير في خيلاء، وأشرت إلى أن صياحه الجميل "كوكو.. كوكو" من ألطف الكلمات التى يبدأ بنطقها الصغار، وهو مرتبط بظهور ضوء الشمس في الصباح الباكر، ليذكر الناس بضرورة الاستيقاظ للنشاط والعمل. وحكيت عن منظر رأيته في حظائر الطيور عند جدي، عندما كان الديك يحمي الدجاجات ويدافع عنها بقوة. وكتبت عن شريط تلفازي شاهدته، وكان عن مصارعة الديوك، وقلت إن فى ذلك وحشية من منظمي هذه العروض، وامتهانًا لكائنات حية لطيفة خلقها الله لتعيش معنا على الأرض، ولننتفع بها في غير هذه الأمور".
          هنا التفتت الأم إليه، مشجعة، تقول: "هذه كتابة جيدة". واصل أحمد حكايته: "وكتبت عن الديك الرومي، وهو صنف مختلف عن الديوك البلدية، له ريش أطول، بألوان مختلفة، ولصوته موسيقى متميزة، وحكيت عن أطفال الجيران الذين يعاكسونه فيصدرون صفيرًا بأفواههم، فيردّ عليهم بصيحته الطويلة المتقطعة".
          تدخلت الأم، مبتسمة، تسأل: "أطفال الجيران، فقط؟ لم تذكر أنك كنت تنضم إليهم!".
          تبسّم أحمد وقال، فى وقار "لايجوز ذلك في امتحان رسمى!".
          وكانت السيارة تقترب من البيت، وتقف- أخيرًا- فى مكانها المخصص، ليغادرها الراكبان: أحمد، الذي انطلق يفتح باب المصعد، والأم، التي كانت لاتزال تهز رأسها غير مصدقة، ومشفقة- قبل أي شيء- أن يخسر ولدها بعض التقدير في الامتحان، بسبب هذا الموضوع التعبيري الذى لايخطر على بال أحد. وما إن دخلا المسكن، حتى طلبت من أحمد ورقة الامتحان. قال أحمد: "أماه.. قلت إن المراجعة بعد طعام الغداء، ألا تسمعين صوت معدتى؟".
          قالت الأم: "لا صبر لي، أريد أن أطمئن إلى أفضال الديك الذي وجدته في ورقة الأسئلة، سوف تجد أمامك إحدى دجاجاته محمرة! ".
          وجلست الأم في أقرب مقعد تقرأ الورقة. وبعد ثوان قليلة، سقطت يدها الممسكة بالورقة، واستندت لظهرها إلى ظهر المقعد، وكانت تبذل جهدًا كبيرًا لتتحكم في انفعالاتها حتى لا تزعج ابنها، وأخيرًا، أشارت إليه أن يقترب، فاقترب متخوفًا من أن يكون أصابها مكروه، أمسكت طرف أذنه بإصبعين، وقالت: اقرأ السؤال الآن. وقرأ أحمد السؤال كما سبق أن قرأه بالسيارة. ضغطت الأم بإصبعيها قليلا على طرف الأذن الرقيقة، وقالت:
          "انظر جيداً، أيها المتسرع، قبل الديك الذي رأيته في هذه الورقة، يوجد حرف، هو حرف الواو، أكلته، أكلت الواو، وتركت الديك يا احمد!!".




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق