الأربعاء، 12 ديسمبر، 2012

• قصص الأطفال: الحسناء أشرقت

   
          يحكى أنه كان لتاجرٍ غنيٍ ثلاث بنات يتيمات الأم يحبهن حبًا شديدًا ويحاول تعويضهن بحنانه عن غيابها، وفي إحدى ليالي الشتاءِ البارد جلست بناتُه الثلاث قرب المدفَأة يتدفأن ويتجاذبن أطراف الحديث وهو ينصت إليهن خِلسةً دون علمهن، فبدأت البنت الكبرى كلامها وقالت: أتمنى أن أتزوج رجلاً ثريًا ولو كان أعمى.

          وقالت البنت الوسطى: أتمنى أن أتزوجَ رجلاً ثريًا ولو كان أصلع.
          وقالت البنت الصغرى: أما أنا فأتمنى أن أتزوج رجلاً جميلاً ولو كان فقيرًا، ضحكت الأختان من أمنيتها الغريبة، أما الأب فقرر بعد الاستماع الى حديثهن أن يزوج بناته كما تمنين، وذهبت البنت الصغرى عروسًا إلى كوخ زوجها الجميل فشعرت أختاها بالغيرة الشديدة لأنهما تزوجتا كلا من الأصلع والأعمى وكتمتا الأمر في قلبيهما. شاركت الأخت الصغرى زوجها في أحزانه وأفراحه ومرت الأيام وحملت وعندما اقترب موعد الولادة ولأن زوجها الفقير لا يستطيع شراء حاجيات المولود القادم طلبت منه أن يزور أختها الكبرى لتقدم لها يد المساعدة، فذهب إليها وعاد حزينًا مكسورَ الجناح حيث شتمته وطردته أشد طردة، وكذلك فعلت معه أختها الوسطى.
          اشتد ألم الولادة عليها ولا أحد إلى جانبها لمساعدتها، وفجأة أضيئت الغرفة بنور جميل المنظر مزركش بألوان قوس قزح وظهرت حوريتان طيبتان هدّأتا من روعها وساعدتاها على الولادة، فأنجبت طفلةً جميلةً جدًا فقالت الحورية الأولى للأم:  سَمِّها "أشرقت" لأنها سوف تشرق في قلب كل من يقابلها ويحبها كل الناس.
          وقالت الحورية الثانية: أما اذا ابتسمت فتسقط الورود الشذية العطرة من ثغرها.
          تغير حال أبويها منذ أن ولدت أشرقت وأصبحا من أغنى أغنياء البلاد، ومضت الأيام و"أشرقت" تكبر وتزدادُ جمالاً وروعةً وكلما أقبلت امتلأت الدنيا بنورها وكلما ابتسمت تتساقط أكاليل الورد الجميلة الرائحة من ثغرها وهكذا ذاع صيت الفتاة "أشرقت" في كل أرجاء البلاد حتى وصل الحديث عنها الى ابن سلطان البلاد فأرسل لخطبتها مع أنه لم يرها.
          سمعت أختا والدة "أشرقت" بخبر الخطبة فجاءتا اليها مهنئتين وبدموع ماكرة طلبتا منها العفو، فرّق حال والدة أشرقت ورحبت بهما، غير أن الأختين لم تكتفيا بترحيبها وطلبتا منها مرافقة العروس أشرقت لقصر الأمير دليلاً على مسامحتها لهما فوافقت الأم مع قلق تجهل مصدره، وخرجت العروسُ "أشرقت" في أبهى حلة وزينة برفقة خالتيها وفي منظر بهيج. سار الموكب في طرق طويلة ووعرة والجو يشتد حرارةً فعطشت العروسُ "أشرقت" اذ تفاجأت حيث لم تجد أحدًا من مرافقيها غير خالتيها فطلبت من خالتها الكبرى جرعة ماء فأجابتها بمكر ودهاء أنها ستعطيها الماء بشرط أن تأخذ عينها اليمنى ففعلت أشرقت ذلك مرغمة لأنها أدركت أنها في خطر كبير، وبعد وقت طويل آخر من السفر الشاق عطشت "أشرقت" مرة أخرى فطلبت من خالتها الوسطى ماء وكان رد خالتها أن تدفع عينها اليسرى ثمنا لذلك ففعلت باكية حزينة وأصبحت ضريرة لاحول لها ولا قوة وتخلت خالتاها عنها قرب شجرة في غابة مهجورة موحشة، وبدأت تبكي من وحدتها ومن تغير حالها، وبينما هي تبكي استمعت إليها حمامتان فتحدثتا اليها عن سبب بكائها وأعطت حمامة لها  ريشة وطلبت منها أن تكحل عينيها ليرجع اليها النظر ولكنها ستتحول الى حمامة مثلهما فوافقت "أشرقت" دون تردد، وما إن زينت مكان عينيها بالكحل حتى أصبحت حمامة وطارت معهما في الفضاء الفسيح.
          حطت الحمامة "أشرقت" في حديقة قصر الملك الذي تزوج ابنة خالتها نتيجة مكر ودهاء خالتيها اللتين أقنعتا الأمير بأنها الحسناء "أشرقت"، ولكنه في قرارة قلبه لم يقتنع بعد أن قارن بين ما سمع عنها من أحاديث وروايات الناس عن حسنها وجمالها وأخلاقها وبين هذه الفتاة القبيحة التي بين يديه، وأصبح حزينا منذ زواجه، وفي يوم من الأيام وبينما الأمير خارجًا في رحلة صيد طلب من بستانّي القصر أن يعتني بحديقته لشدة حبه للورود وبينما كان البستانّي منهمكًا في عمله كعادته سألته الحمامة وهي واقفة على غصن شجرة الزيتون عن حال العروس الجديدة فأجابها أنها بخير فتبدأ الحمامة في بكاء شديد فتذبل زهور الحديقة جميعها وتتساقط أوراق الشجر ثم تسأله عن حال الأمير فيجيبها أنه ليس سعيدًا بزواجه فتضحك سعيدة فتتفتح ورود الحديقة وتملأ أرجاء القصر بشذى أريجها المنعش.
          تعجب البستاني لأمر الحمامة وحين عودة الأمير من رحلته روى له قصتها، وفي الغد اقترب الأمير خلسة من شجرة الزيتون التي تحط عليها الحمامة العجيبة والتي تسأل البستاني عن حال عروس الأمير فيجيبها أنها سعيدة وأن الأمير حزين فتبدأ في البكاء والزهور في الذبول وأوراق الأشجار في التساقط، تعجب الأمير لأمرها فأمسكها ووضعها في قفص ذهبي وأصبح لا يفارقه ليلاً نهارًا.
          غضبت زوجة الأمير المزيفة من اهتمامه بالحمامة أكثر منها ودبرت مكيدة للتخلص منها، وذات يوم بينما الأمير غائب عن القصر أتت زوجته للقفص وأخرجت الحمامة وذبحتها ودفنتها في حديقة القصر فنمت مكانها بسرعة فائقة شجرة رمان في غير موسمها.
          وعندما رجع الأمير من رحلته لم يعثر على الحمامة وأخبرته زوجته أن الحمامة كسرت القفص وهربت.
          وفي يوم من الأيام جاءت سيدة عجوز لحديقة القصر لتأخذ حبة رمان لولدها المريض بعدما سمعت أن شجرة رمان ظهرت في غير موسمها بحديقة القصر، وربما سيكون علاجه فيها، عادت للبيت وبدأت تقطع حبة الرمان التي طارت من بين يديها وانقسمت ثم اختفت لتظهر بعدها فتاة في غاية الجمال اندهشت السيدة العجوز وشفي ابنها من مرضه بسرعة فائقة فحكت الفتاة للسيدة العجوز كل ما حصل لها فأشفقت عليها وأحبتها كثيرًا وبقيت معها في الكوخ تساعدها في إعداد الرغيف الذي يحبه الأمير وكان الأمير كل يوم يمر على العجوز ليتناول الرغيف فوجد مذاقه مختلفا فبالإضافة إلى كونه شهيًا فهو معطر برائحة الورد فأراد معرفة سر هذا الرغيف وقال لا يمكن أن تكون السيدة العجوز هي التي أعدته. تسلل خفية الى كوخ العجوز فوجد فتاة في غاية الحسن تعد الرغيف فسأل العجوز عنها فروت له حكايتها فأخذ أشرقت للقصر وتزوجها وعاقب خالتيها وزوجته الماكرة وأراد قتلهن وبعدما توسلت إليه الأميرة "أشرقت" أن يسامحهن طردهن من كل البلاد وأرسل الى والديها للعيش معهما وعاش الجميع في سعادة وأمان.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق