الاثنين، 3 ديسمبر، 2012

• قصص الأطفال: رسالةٌ إلى جدتِي


    
          في كلِّ عامٍ في مثلِ هذه الأيامِ، أحتاج إليها جدًا، أشعر بها هي القريبةِ البعيدةِ جدًا في عالمٍ ترنو إليه نفسي، ولا تطالَهُ يدايَ، وتمعنُ في التحديق به عيناي فلا تدركهُ، ويبقى طي الخفاءِ.
          إذا ما هبّت ريحُ الصيفِ الحارةُ، إذا ما لفحت شمسُ آب (أغسطس) اللهاب معلنةً نضجَ الدوالي في كرومنا، وإذا ما فرغت المدينةُ من ساكنيها، وعمرت القرى بروّادِها، أشعر بها تدنو إلينا بعد عقدينِ من الزمنِ، لتطمئنّ على صيفنا، وترحل بخفّةٍ، مازلنا بخير يا جدتي، زاد عددنا، وقلّ عددُنا وصل إليك منَا مَن وصل، أخبرينَا عن حالكم.
          ومَن وُلد بعد رحيلك، يشعرُ بك كشعورنَا، يتلمّس وجودكِ في أحاديثِنا، في ذكرياتِنا الدافئةِ عنكِ ومعكِ، في أشيائكِ التي مازالت تحكي لهم ولنا حكاياك، وتؤكد لنا أنكِ مازلتِ هاهنا تتربّعينَ على عرشِ أفئدتنا.
          تُرى لماذا أفتقدك هذا الصيفِ أكثر من أيّ وقتٍ آخرٍ؟ في مثلِ هذا الصيفِ أشعرُ بكِ أكثر وأكثر.
          تنتظرينَ قدومنا عند بوابةِ المنزلِ القروي، لماذا تأخرنا؟ وعندما نصل، يهبُّ الأطفالُ إليك قبلَنا: مشتاقون يا جدتي.
          أقولُ لصغيرتي التي لا تعرفك وتعرفك، عندما تسألني عن سربِ الفراشاتِ التي تزدحمُ في شرفتنا، إنها جدتك تأتي لتسلّم علينا، فتخبرها أنها تحبّك ومازلنا بخير.
          هل رسائلُها تصلك؟ ردّي عليها. ألم تصلُ خدماتُ البريدِ الإلكتروني إلى مدينتِكُم بعد؟!
          هذا الصيفُ جاءَ آب باكرًا نضجت حبّاتُ العنبِ باكرًا، وقطفنا حبّات السفرجلِ باكرًا، وصنعنا منها مربى، وقسّمنا طبختَنا في أوعيةٍ صغيرةٍ كما كنت تفعلينَ ووزعناهَا على أفرادِ العائلةِ كما كنت تفعلين.
          مازلتِ هاهنا سيدة الجلساتِ والحكايا.
          رائعٌ يا جدتي أن نرحل ونتركَ هذه المساحاتِ المملوءةِ بنا، والتي تذكّر الباقينَ والأخلافَ أننا مررنَا من هنا يومًا، وعشنَا هاهنا.. يومًا،
          وغدًا سيغادر غيرُنا،
          قد يذكرهُ الباقونَ بالخيرِ...




هناك تعليق واحد:

  1. الله يرحمك يا جدتي.....شكرا استاذ علي رمضان

    ردحذف