الثلاثاء، 11 ديسمبر، 2012

• قصص الأطفال: لماذا نجحت الحمامة البيضاء؟




          عاشت حمامةُ صغيرةٌ اسمها فلة في الوادي القريبِ من المدينةِ. ريش فلة ناعمٌ ومنقارها رفيعُ، لكنها لم تكن سعيدةً لأن لونها كان أبيض وجناحاها قصيرين.
          تعلمت فلة الطيرانَ من أمِها، واستطاعت أن تأكل الحبوبَ بمفردِها، وأن تطير بين الأشجارِ القريبةِ من العشِ.
          نصحتها أمها بألا تبتعد كثيرًا، حتى لا يأكلها الصقرُ الصياد، فقالت فلة:
          سوف آكله قبل أن يأكلني.

          ضحكت الأمُّ وقالت: لا تستطيع الحمامةُ أن تأكل الصقرَ، حتى الناس لا يأكلون الصقورَ، لكنهم يحبونها ويعتنون بها لتساعدهم في صيد الغزلانِ والأرانبِ التي يأكلونها، الناسُ أيضًا يأكلون الحمامَ، فابتعدي عنهم.
          تمنت فلةُ أن تكون صقرًا حتى لا يأكلها أحدٌ، وأن يصبح لونها رماديًا حتى لا تكون مختلفةً عن بقيةِ الحمامِ، لكن الأيام مرت ولم تتحقق أي أمنية، فقررت أن تتدرب جيدًا على الطيرانِ، لتذهب إلى أماكنَ بعيدة وتهرب بسرعةٍ إذا هاجمها الصقرُ.
          طال ريشُ فلة وظل جناحاها قصيرين، لكنها ازدادت قوةً، فبدأت تطيرُ إلى أماكن بعيدة، ثم تعود إلى العشِّ، وفي يومٍ من الأيامِ، ابتعدت حتى عبرت الوادي كله، ووصلت إلى الطرفِ القريبِ من المدينةِ.
          حطّت فلة على فرعِ شجرةٍ لتستريح قبل عودتها، فشاهدت على الأرضِ ولدًا وبنتًا ينثران حبوبَ القمحِ والذرةِ للطيورِ التي تجمعت حولهما.
          سمعت فلة البنت تقول:
          يا لها من طيورٍ جميلةٍ!
          قال الولدُ: لكن ليس بينها ما يريدها أبي.
          تعجبت فلةٌ ونظرت إلى الطيورِ مرة أخرى.
          هذا حمامٌ لونه رمادي داكن.
          وهذه عصافير.
          وهذا صقرٌ صغيرٌ يشبه البومةَ.
          ماذا يريد الأب أكثر من ذلك؟
          أرادت فلة أن تعرفَ، فانتظرت على الشجرةِ حتى تحرّك الولدُ والبنتُ ثم تسللت وراءهما بعد قليل، رأت فلة الأبَ يضع سلةً في عربةٍ، والأم ترفعُ ملاءة من فوقِ الحشائشِ ثم تطويها. قالت الأمُّ:
          أين كنتما؟ هيا بنا لقد تأخر الوقتُ.
          اقتربت فلة لتسمعَ أكثر. رآها الولدُ فصاح:
          هي هي يا أبي، رأسُها مقوسٌ وجناحاها قصيران.
          خافت فلة فأسرعت بالطيرانِ حتى وصلت إلى العشِّ، أخذت تلتقطُ أنفاسَها وهي تتساءلُ عن سببِ اهتمامهم بحمامةٍ لها جناحان قصيران.
          في اليوم التالي، طارت فلةٌ إلى نفسِ المكانِ، لم يكن هناك أحدٌ، فشعرت بالندمِ لأنها خافت ولم تنتظر لتعرف السبب، لابد أنهم لا يريدون أكلها، لأنهم لم يصطادوا الحمامَ الآخرَ، ولأنهم اهتموا برأسِها وجناحيها، لا أحد يترك لحمَ الحمام ليأكل الرأسَ والجناحين.
          ظلت فلة تطيرُ إلى طرفِ الوادي كل يوم، ولا تجد أحدًا.
          مرّ يومان، ثلاثة، ستة.
          وفي اليومِ السابعِ، رأت الولدَ والبنتَ يطعمان الطيورَ، فنزلت من فوقِ الشجرةِ واقتربت منهما.
          جذبت البنتُ ذراعَ الولدِ وصاحت بفرحةٍ:
          الحمامةُ البيضاءُ.
          همس الولدُ:
          ششش... ستجعلينها تطير.
          نثر الولدُ حباتَ قمحٍ بجوارِ فلة، فقفزت إلى الوراءِ، لكن الولد جثا (زحف) على الأرضِ وقال لها حميييم... حميييم... حميييم.
          اقتربت فلةُ منه، وسألته:
          ماذا تريدون مني؟ ولماذا لا تهتمون ببقيةِ الحمامِ؟
          قال الولد:
          لأن أبي يربي الحمامَ الزاجلَ، لدينا الكثير من الحمامِ الأسودِ والرمادي، لكننا لا نملك حمامةً زاجلةً مثلك، أنت بيضاء وأبي يقول إن اللونَ الأبيضَ نادرٌ جدًا.
          حمامةٌ زاجلةٌ! لم تسمع فلة هذا الاسم من قبلِ، فسألت الولدَ عن معناه.
          الحمامُ الزاجل يعني «بوسطجي» يحملُ الرسائلَ وينقلها من مكانٍ إلى مكانٍ، هل تقبلين أن تعملي معنا؟ سوف نرعاك وندرّبك لتفوزي في المسابقاتِ.
          فكّرت فلةٌ.
          لقد تركوا الصقرَ الصغيرَ واهتموا بها.
          تركوا الحمامَ كله واختاروها بسبب لونها الأبيض وجناحيها القصيرين.
          فجأةً.
          وللمرةِ الأولى.
          شعرت فلةُ بالسعادةِ.
          لأنها مختلفةٌ.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق