الاثنين، 27 مايو، 2013

• قصص الأطفال: الطائر الجميل المتكلم



          أطل فصل الربيع - ملك السنة الحلو اللطيف - ضاحكاً مبشراً بالدفء وأيام الشمس الساطعة وعودة الحياة والفناء والخصب والنماء.

        وأتت إلينا الطيور المهاجرة من البلاد الباردة، واكتست الأشجار بالأوراق والأزهار، وبدأت الطيور ببناء أعشاشها وحضن بيضها، وقصدت النحلات ورود الربيع وأزهار البنفسج وشقائق النعمان كي تجمع الرحيق.
          وبنى طير مهاجر عشه في أعلى الشجرة التي أسكن فيها، وخاطبني بقوله: "طوبى لكم يا معشر الببغاوات، تعيشون في هذه المنطقة الحارة، ونحن نتحمل أعباء الهجرة ونطير مسافات بعيدة لنصل إلى موطنكم، ما شاء الله، إن أشكالكم جميلة وألوانكم زاهية، جُلَّ من قد خلقكم"
          أجل.. جُلَّ من قد خلقني، منقار قوي، وغشاء قرني فوقه يحتوي على فتحتي الأنف، وأجنحة صغيرة، وذيل به ثلاث عشرة ريشة، وقدمان ذواتا أصابع سوداء، اثنتان متجهتان إلى الأمام، واثنتان إلى الخلف وبها مخالب طويلة، إنها مكيفة للقبض على الأغصان بقوة.
          أنا الببغاء، أكاد أكون الوحيد بين الطيور أشبه الإنسان في ترديدي بعض المقاطع، وربما وُجِد بين خلق الله من يشبهني في نطقي الكلمات.. ولكن لن يبلغ أحد منها منزلتي في إتقاني وجودة تقليدي.
          نشأت في غابة من الغابات كثيرة الأشجار والحيوانات، وعشت مع زوجتي، يربطني بها رباط الحب، جُلَّ من جعل بيننا مودة ورحمة، والناس يضربون المثل بإخلاصي لها وتعاوني معها، بنينا العش في حفرة في شجرة، وباضت زوجتي بيضًا بلون أبيض، وحضنته، وكنت أبحث عن الطعام، وأوصله إلى الحفرة بمنقاري، ولا تسلْ عن فرحتنا حينما فقس البيض وخرج الصغار، كانت الفراخ عادية بلا ريش، وعمياء بلا نظر وسبحان من كسانا - بعد - ريشاً ومنحها بصرًا رعيناها باهتمام بالغ وإخلاص شديد حتى كبرت وقويت على الطيران وقامت بأمور عيشها معتمدة على نفسها، لقد أبدلها الله - عز وجل - من بعد ضعف قوة، وسيجعل لها بنين وحفدة.
          ولكن ليس هناك نعيم دائم إلا نعيم الجنة، نغص عشنا صياد كأن قلبه صنع من الحجارة، قبض على مجموعة من الببغاوات، وبينهن أنا وزوجتي، كنت متضايقاً، وحاولت الإفلات منه وتخليص شريكة حياتي بمنقاري ومخالبي فلم أفلح في الخروج من شبكته، واستسلمت إلى واقع أليم، وباعنا الصياد، كنت من نصيب قَيِّم على حديقة بل متنزه كبير، وكانت زوجتي من نصيب رجل آخر، وغابت عني إلى غير رجعة، وخلفت في قلبي حزناً لا يمحى، وفي المتنزه كان لي حرية الحركة مع بعض الطيور بين أشجار مورقة مزهرة في بقعة كبيرة محاطة بالأسلاك، وفيها غدير ماء وبذور متنوعة، ومما خفف من ألمي رؤية الأطفال يقدمون لي حبوب الذرة المنفوشة ودوار الشمس، ويصفرون أمامي، ويطلقون بعض الأصوات والعبارات حتى أقلدها، وكم كان سرورهم حين ألتقط بمنقاري ما يقدمونه، وكنت أحقق رغبتهم حينا فأقلد صوتاً من أصواتهم.
          ودارت الأيام، وأصبحت في الأربعين من عمري، فباعني صاحب المتنزه إلى رجل مسن بعمل مؤذناً في مسجد، فقلت في نفسي: هل أعيش عند هذا الرجل إلى أن أبلغ من العمر خمسين عاماً إلا قليلاً كما عاش أبي رحمه الله؟! ربي هو العليم الخبير.
          كان رأس صاحبي مغطى بالشعر الأبيض وكأنه الثلج صفاء ونقاء وله حاجبان كثان "غليظان" محتفظان بشعرات سود، ولحية بيضاء تدل على وقاره وهدوئه، أدخلني في قفص كبير مصنوع من القصب والحديد والزجاج، ومزين ببعضه الأزهار الندية والأغصان والطرية، وسطح اللوحة المنزلقة في القاعدة مغطى بالرمل حتى تحفظ أرضية القفص نظيفة، والرمل مفيد لنا من أجل عملية الهضم، فنتناول قليلاً منه، وهناك غصن طبيعي وسط القفص، من هذه التي تتأرجح في الأرجوحة الصغيرة المعلقة في أعلى القفص، أأنا في حلم؟! التقت عيوننا، فعلمت أنها زوجتي، رأتني فعرفتني، وكاد أن يغمي عليها من غرابة المفاجأة، واستعادت أنفاسها وهي تنظر. إلي بعين الفرح، وشعرت بأن قلبي تزداد نبضاته وتشتد خفقاته.. حمدا لك يا رب، الآن يطيب العيش ولو في الأسر جانب من أحب.
          كان الشيخ يعاملنا معاملة لطيفة ومخلصة، ويسره أن يقدم لي ولها الطعام والشراب، ويخصها ببعض الخضر النضرة، ويطعمنا البندق وبذور دوار الشمس بيده وكثيراً ما كان يطلقنا ويخرجنا من القفص، ثم نعود، وفي تجويف الفك السفلي أحمل البندقة أو البذرة وأكسرها وعلمني هذا الشيخ مقاطع، وتعلمت من أذانه بعض العبارات، أرددها ويستحسنها كل من سمعها: الله أكبر.. الله أكبر.. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.. سبحان الله.. الله كريم.. يا رب..
          وتعلمت منه إيقاظ أولاده في الصباح الباكر: فادي.. نور.. دعاء.. آيات.. براء آلاء.. الله يرضى عليكم وحدوا الله، قوموا إلى الصلاة. أخاطبهم بكفاءة في اللحظة الموائمة، ولكن لي مزاجاً حاداً في التعامل مع الغرباء، وربما عضضتهم بوحشية.
           ومرضت مثل المرض الذي مات فيه أبي رحمه الله، ظهرت علي علائم الكآبة وأصبح ريشي مجعداً، وعانيت من الإسهال، ولم يبق سوى وفاتي، وهم صاحبي بالتخلص مني، وانتقلت العدوى إلى زوجتي، ودعونا الله تعالى بالشفاء، وفي المساء زار صاحبنا صديقه الطبيب البيطري وقال: صحيح ربما سببا لك نوعاً من الالتهاب الرئوي الخطر الذي يؤدي إلى الموت أحيانا.. لكني عهدتك تنظف القفص تنظيفاً مستمراً، وأنت لا تطعم الطائرين من بين أسنانك حيث يضع بعضها الذرة في فمه ويطعمها للببغاء فتنتقل العدوى، وهذا الدواء هدية مني إليك وفيه الشفاء لحبيبيك. وتماثلنا للشفاء، ومد الله في عمرينا وعشنا عيشة هانئة.
          لكني حزنت بعد أن كتبت لكم هذه المذكرات حين أتى ابن الشيخ بعصفور دوري، ووضعه في قفص صغير، إنه عمل في غاية القسوة.. كان ذا قلب قاس، ومن المؤلم رؤية سجين صغير يرفرف بقوة بين القضبان، يكافح من أجل الهروب، وقد جن جنونه وهو يرتطم بجسمه وريشه، ويترنح ذات اليمين وذات الشمال، ومات قبل أن يتمكن من الهرب.
          ويظهر أننا - معشر الببغاوات - نعتاد العيشة الجديدة عند مصاحبتنا للإنسان، ونحاول أن نتكيف مع حياة الأسر.. والقناعة كنز لا يفنى.
إقرأ أيضًا




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق