الأربعاء، 14 نوفمبر، 2012

• قصص الأطفال: الأرنبُ والضبعُ والشجرةُ التي تتكلم


     فلتنصت لما حدث في ذلك اليومِ الذي خرجَ فيه الضبعُ للتجوّلِ في الدغلِ (الشجر الكثيف)، تحت حرِّ الشمسِ الإفريقيةِ.
          كان يروح ويجيء، ويزمجرُ، ثم يقفُ، ويتذمّرُ مرةً أخرى. يقفُ ويذهبُ ثانيةً، كان يفعلُ ما هو طبيعي لضبعٍ يتحرّكُ في الدغلِ، ولكن هذه المرة، كان يتذمّرُ بطريقةٍ غير عاديةٍ لأن الجوعَ قد نال منه ولا يجدُ شيئًا يأكله.

          فجأةً... وجدَ فتحةً مضاءةً على بعد ثلاث أمتار منه، ذهب نحوَها وشهد شيئًا، لم تشهده من قبل ولن تشهده أبدًا، شيءٌ عجيبٌ للغايةِ.
          كانت شجرةً ضخمةً جدًا، أعلى من برجِ، قشرتُها سميكةٌ، والأغربُ أن بها شقًا شبيهًا بوجهٍ ذي عينين كبيرتينِ سوداوينِ عميقتينِ، وأنفٍ أفطسٍ، وفمٍ عريضٍ مفتوحٍ كفمِ فرن..
          في هذا الوجهِ الغريب، لاشيء يتحرّك، لاشيء يبدو حيًا، لا العينان أو الفمِ، ومع ذلك كان من المؤكدِ أن الشجرةَ تنظرُ إليك، أما قشرتها الغليظةُ فتثيرُ الفزعَ مثل حيوانٍ رهيبٍ.
          والذي يشدّكَ أكثر، هو نوع فمها الذي يصدر منه شكوى لا تتوقف، محزنةً، متوعدةً، مثل عواءِ ذئبٍ في ليلِ الجبلِ.
          حين سمع الضبعُ تلك الشكوى، وقفَ جامدًا، مذهولاً.
          ثم صرخَ:
          - أوه... شجرةٌ تتكلم!
          وبمجرد أن نطقَ هذه الكلماتِ... بم... أحسّ بضربةٍ قويةٍ على رأسِهِ، وسقطَ مغشيًا عليه، إذ مدّت الشجرةُ فرعًا من فروعِها ووجهته في اتجاهِ مركّزٍ نحو الضبعِ وطرحته أرضًا.
          ظلَّ وقتًا طويلاً مغشيًا عليه، وحين أفاقَ، كانت الشمسُ قد بدأت تختفي هناك، في الجانبِ الآخرِ من الأرضِ والليلِ يستعدُّ للمجيءِ.
          كانت الشجرةُ لاتزال في مكانِها، قريبةً جدًا، تصيحُ:
          - هو... هو...
          وجميعُ النباتاتِ الأخرى، التي يحك الهواءُ أوراقَها، بدت منتفضةً من الرعبِ.
          الشجرةُ العملاقةُ، مدّت فرعَها، ملتقطةً الضبعَ، قرّبته من لحائِها السميكِ، والحيوانُ المفزوعُ، سمع صوتًا مخيفًا، يقول:
          - أيها الضبعُ، هأنت قد استيقظتَ، وبعد... فلتنصت لي جيدًا ولتتذكر ما أقوله لك:
          "كلُّ حيوانٍ يمرُّ أمامي صارخاً... «شجرةٌ تتكلم...!!»... يسقط ميتًا في الحالِ، هذه المرة، سوف أسامحك، ارحل، وإذا مررتَ يومًا قريبًا مني، تذكر ألا تنسى، وإلا سوف أنفّذ تهديدي".
          لم ينطقْ الضبعُ مرةً أخرى، وبمجرد أن تركَه فرعُ الشجرةِ، أطلق ساقيه للريحِ.
          وحين تأكّد أنه ابتعد مسافةً كبيرةً عن الشجرةِ، وقفَ، ثم تمدّد على الأرضِ، حكّ رأسَه الذي لم يزل يؤلمه وتذمّر قائلاً:
          ملعونةٌ تلك الشجرةِ، بسبب ضررها ضاع يومي، رأسي ثقيلٌ ومعدتي خاويةٌ.
          ثم أخذ يفكر، ويفكر، ويفكر، كي يجد سبيلاً للطعامِ، لأن الجوعَ صار يعذّبه.
          فجأةً... صاحَ:
          - إنني لمخطئٌ، حين أشكو من تلك الشجرةِ، إنها الوحيدةُ التي أعطتني الوسيلةَ لإيجاد طعامٍ جيدٍ، بفضلها لن أكون جائعًا أبدًا، لا الغد ولا بعد غد ولا في أي أيام تاليةٍ.
          في الصباحِ. وجد غزالةً.
          صاح:
          - أيتها الغزالة...
          ردّت الغزالةُ:
          - هأنا...
          - أريد أن أريك شيئًا لم تشهديه من قبلِ، وكان أبوك يجهله دائمًا، وكذلك أبو أبيك...
          - لكن ما هو؟!
          - شجرةٌ تتكلمُ...
          - شجرةٌ تتكلمُ..؟! أتسخر منّي؟ في الحقيقةِ أيها الضبعُ إنك تسخرُ مني.
          - أقسم لك بفم أمي... أيتها الغزالة، أن بإمكاني أن أريك شجرةً لديها صوتٌ مثل صوتي وصوتك ولكن بشرط...
          - ما هو؟
          - حين ترينها، تصرخين بقوةٍ... «شجرةٌ تتكلم!»... إذا لم تقولي تلك العبارةِ، سوف تتكدّر الشجرةُ وتضربك بفروعِها.
          - فلنرحل أيها الضبعُ.
          ودون تأخيرٍ، وصل الاثنان إلى الفتحةِ المضاءةِ، ولما رأت الغزالةُ الشجرةَ الضخمةَ مثل البرجِ على هيئةِ وجهٍ، وتعوي مثل ذئبٍ، صرخت مذهولةً:
          - شجرةٌ تتكلّمُ!!
          وبمجرد أن نطقت تلك الكلماتِ... بم... سقطت صريعةً على الأرضِ، وأجهز عليها الضبعُ والتهمها.
          قاد الضبعُ الغزالةَ الخجولةَ المرتعشةَ وابتلعها سريعًا.
          وكذلك انقضّ على الفأرِ حيًا مثل سنجابٍ، والخروفُ الطائشُ الغبيُّ، حتى الجاموس نفسُه الذي لا يخشى أحدًا.
          وحدث أنه في الوقتِ المحددِ لذهابِهِ مع الجاموسِ عند الشجرةِ، لمحه الأرنبُ البريُّ، الفضولي كعادتِهِ، وتتبعهما مختبئًا كي لا يراه أحدٌ، ولكم كانت دهشةُ الأرنبِ حين رأى شجرةً غريبةً جدًا، ولكنه كان مدهوشًا أكثر بحيلةِ الضبعِ.
          فكّر الأرنبُ «آه... أيها الحيوان الشرير... لو تركناكَ تفعل ما يحلو لك، سوف تخلي الأدغالَ من جميعِ الحيواناتِ، لكن، انتظر قليلاً وسوف ترى أن الأرنبَ أكثر دهاءً منك».
          وفي الصباحِ، حين ذهبَ الضبعُ للبحثِ عن ضحيةٍ جديدةٍ، قابله الأرنبُ في طريقِهِ قائلاً:
          - هيه... صباحُ الخيرِ أيها الضبعُ.
          - آه... صباحُ الخيرِ يا أرنب، إنني سعيدٌ جدًا للقياك، تصوّر، كنت أبحثُ عنك منذ أيام مضت كي أجعلك ترى شيئًا لم تشهدْه من قبلٍ، وأبوك كان دائمًا يجهله وكذلك أبو أبيك.
          - لكن... ماذا في الأمرِ إذن؟
          - شجرةٌ تتكلمُ...
          - شجرةٌ تتكلّمُ...؟! أتسخرُ مني يا ضبع...؟ في الحقيقةِ إنك تسخرُ مني أيها الضبع.
          - أقسم لك بفم أمي أيها الأرنب أن بإمكاني أن أريك شجرةً لها صوتٌ مثلي ومثلك، لكن بشرطٍ...
          - ما هو..؟
          - بمجرد أن ترى الشجرةَ... تصرخُ بقوةٍ... شجرةٌ تتكلم!!... إذا لم تقلها سوف تتكدّرُ الشجرةَ وتضربك بفروعِها.
          حرّك الأرنبُ أذنيه الطويلتين الواحدةَ بعد الأخرى.
          - ما الذي يجب أن أقولَه بالضبطِ؟ كرّر ما قلته مرةً أخرى أيها الضبع، لأنني كما تعلم، رأسي جامد وذاكرتي ليست قويةً.
          ويردّد الضبعُ:
          - حين ترى الشجرةَ العملاقةَ، تصرخُ بقوةٍ أوه.. ها هي شجرةٌ تتكلمُ... إنه لشيءٌ سهلٌ وليس من الضروري أن تكون لديك ذاكرةً قويةً لتتذكّره.
          رحل الاثنان ووصلا إلى مكانِ الشجرةِ.
          صرخَ الأرنبُ:
          -  أوه... شجرة... تت...
          - وبعد أيها الأرنب، أكمل عبارتَك..
          - الشجرةُ... التي... تت..
          - لكن ماذا؟... ردّد ما كنتُ أقوله لك...
          - في الحقيقةِ... لا أتذكر شيئًا... الشجرة التي... ت... التي... ت، ملعونة الذاكرة... شجرة... ت... ت..
          - شجرةٌ تتكلمُ أيها الأحمق.
          صرخ الضبعُ ساخطًا، ناسيًا كلَّ حذره.
          وبمجرد أن نطقَ الضبعُ بتلك الكلمات، وقع صريعًا على الأرضِ، بضربةٍ قويةٍ على رأسِهِ، وهذه المرة لم توقظه الشجرةُ.


إقرأ أيضًا





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق