الأربعاء، 14 نوفمبر، 2012

• من يفكر في النجاح... ممنوع عليه الفشل


كتب أحد المختصين في التنمية البشرية في مذكراته يقول:
كنت في التاسعة من عمري، عندما رميت بنفسي لأول مرة في نهر صغير كان ينبثق من شط الفرات، لم أكن أعرف السباحة من قبل، ولكنني ولسبب ما كنت أعتقد جازمًا أنني أعرفها جيدًا. ويذكر زملائي آنذاك أنني كلما جرى الحديث عن السباحة كنت أقول: أنني أتقنها بشكل ممتاز...

لا أدري من أين جاءتني فكرة أنني أعرف السباحة؟ فلعل أصدقائي الذين كانوا يتحدثون عنها هم الذين زرعوها فيَّ، من خلال أحاديثهم معي. أو لعل أحلام الطفولة، وحبي العميق للماء ( كأي طفل أخر) هو الذي أوحى إليّ أنني فعلاً أعرف كيف أسبح.
   وقبل ذلك لم تكن لي تجربة النزول في الماء، إلا في بيتنا الذي كان فيه حوض صغير لا يتعدى نصف متر في الطول ومثله في العرض...
وفي ذلك اليوم الحار من أيام الصيف، قطع معلمنا الوحيد الدرس وسمح لنا بأن نعود إلى بيوتنا مبكرًا وكعادته حذّرنا من التأخير عن العودة إلى أهالينا. في الطريق اقترح أحد الزملاء أن نذهب للسباحة في ذلك النهر، وهو (وإن كان صغيرًا بالقياس إلى مصدره) إلا أنه كان كبيرًا بالمقدار الذي يحتاج إلى فن السباحة حتمًا. فأهالي البلدة إنما كانوا يتمتعون بالسباحة فقط في ذلك النهر، ولم يكن هناك أي مسبح صناعي نظرًا لعدم الحاجة إليه.
أتذكر كم كان الشوق إلى الماء يشدني، الأمر الذي دفعني إلى أن اخلع ملابسي الخارجية قبل وصولنا إلى النهر تمامًا، وقفت بشجاعة وبلا خوف أطلاقًا عند حافة الجسر فوق سد صناعي بُني لتقسيم الماء إلى قسمين، وكنت ممتلئًا بالفخر وأنا أرى زملائي كيف ينظرون إلي.
   ثم اندفعت إلى أعماق الماء، كانت لحظات وبعدها كنت منخرطًا مع الزملاء في المباراة داخل الماء، وكنت أقطع النهر جيئة وذهابًا، وقمنا بالسباق في السرعة أيضا، ثم خرجنا، وعدنا إلى بيوتنا...
   كانت وجوهنا الملتحفة بحرارة الصيف تكشف بوضوح عن المكان الذي جئنا منه، وعندما شاهدتني أمي صرخت قائلة:

 هل ذهبت للسباحة؟
ثم التفت إليّ أبي وكرر السؤال:
  هل ذهبت إلى السباحة ؟ 
 - قلت: نعم
  فقال كيف تذهب وأنت لا تعرف أن تسبح بعد؟
  قلت أنا أعرف السباحة
  قال ومتى تعلمتها؟
  قلت: لم أتعلمها، ولكنني أعرف السباحة
قال: أين سبحت؟
  قلت عند بوابة السد
:إلتفت والدي (رحمه الله) إلى أمي، وهو لا يصدق ذلك وكرر قولي عند بوابة السد

   ثم أخذ كل من أمي وأبي يحدثانني عن خطورة الخوض في الماء لمن لا يعرف السباحة وعن الأطفال الذين ماتوا غرقًا في النهر ذاته، وأخذا يحمدان الله تعالى أنه أنجاني هذه المرة.... كما عاتب والدي معلمنا الذي تركنا قبل الموعد، وسمح لنا بالخروج من المكتب الذي كان يعلمنا فيه.
في الأيام التالية، كثيرًا ما كان يجري الحديث عن مغامرة السباحة التي قمت بها حتى بِتُّ أخاف فعلاً من الماء.

   وبعد مرور أسبوعين، عندما مررت على النهر، أخذت أفكر في (الخطأ) الذي ارتكبته حين رميت بنفسي في الماء وأنا لم أجرب من قبل عملية السباحة
ودهشت لأنني فعلاً سبحت، وفقدت ثقتي بنفسي تمامًا.
وعندما أخذني والدي (بعد عام من ذلك اليوم) لكي يعلمني السباحة، بدأت من الصفر كأني طفل آخر، وكم احتجت إلى تشجيعه، ومساعدته، حتى تعلمت بصعوبة وبعد عدة أيام، الخطوات الأولى للسباحة، أما القفز من على الجسر، فقد أخذ مني شهرين بعد تعلم السباحة حتى قمت به.
   وعندما أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام، لا أشك في أن ثقتي بالنجاح، وغياب فكرة الفشل تمامًا عن شعوري كانت وراء قدرتي على السباحة.
ولما غاب النجاح وأحتل الفشل مكانه، عدت إلى نقطة الصفر، وكأني طفل آخر، صرت بحاجة إلى من يعلمني السباحة خطوة فخطوة... وأنا أفكر اليوم في عوامل النجاح في الحياة أتذكر حكايتي مع السباحة، وكيف أن كل من يفكر بالنجاح، ويعمل كأنه ممنوع عليه الفشل سينجح في أعماله، كما نجحت أنا ذلك اليوم.
فإذا ما تعرضت أنت للأخفاق، استخلص الدرس منه وابدأ من جديد، فكّر بالنجاح، وتحدث عن النجاح، واعمل وكأنه ممنوع عليك الفشل، فمن ينشد النجاح لابد أن يمتلك الطاقة الروحية اللازمة لذلك، وليس هنالك وسيلة أنجح لتحريكها من أن تكون أنت قد امتلأت ثقة بالنجاح، عبر التفكير فيه والتحدث عنه، وكأنه أمر لابد منه، وإذا كنت ممن تعرض للإخفاق سابقًا، فحاول أن تتجاهل كل ذكريات الفشل السابقة، وتتذكر نجاحاتك، وكلما رافقها من تفاصيل، ثم أقدم على العمل الجديد الذي تريد انجازه وأنت تفكر في النجاح فقط، وتعمل وكأنه يستحيل عليك الفشل، والمطلوب منك أن تبذل جهدًا لتعبئة عقلك الباطني بروح النصر وارادة النجاح، حتى تمشي إلى اهدافك وكأنك ذاهب الى نصر قد سبق اعداده ولا مفر منه. وأول ما ستحصل عليه بذلك موجة عظيمة من الحيوية والانتعاش.
أما كيف يمكن ذلك فإليك السبب:
   إننا نعمل عادة بطريقتين: الطريقة الواعية، والطريقة غير الواعية، أي عن طريق العقل الباطن.
   فأنت أول ما تتعلم سياقة السيارة مثلا.. تقوم بذلك عبر عقلك الواعي، حيث لا تقوم بأي حركة الا بطريقة واعية، بحيث أن أي انشغال عنها يؤدي بك الى شلّ قدرتك على انجازها، ولهذا فأنك بحاجة الى تركيز عقلك على حركاتك.
غير أنك بعد أن تتعلم السياقة تقوم بعملك عن طريق العقل الباطني. ولذلك فأنت تسوق بشكل جيد بينما تتحدث مع زميلك أو تستمع الى شريط أخبار أو تقوم بأتصال هاتفي، أي أن عقلك الباطني يقوم بعملية السياقة بينما عقلك الواعي يقوم بالعمليات الاخرى، ونحن في حياتنا اليومية نقوم بخمسين بالمائة بأعمالنا عبر عقلنا الباطني، وخمسين بالمائة الاخرى عبر عقلنا الواعي..
   لدى كل إنسان مخزون هائل من المواهب والطاقات، ولكنها محبوسة تحت ركام من الشكّ والتردد والخوف وانعدام الثقة، فإذا حررتها من ذلك فأنها ستنهمر كشلال من القوة التي تدفعك في الطريق الصحيح للأستفادة منها، فانت أذن بحاجة الى أمرين:
أولاً: تحرير عقلك من الخوف الذي يفرض قوته المعطلة على طاقاتك.
ثانيًا: شحنه بعد ذلك بالثقة والشجاعة والإيمان بالله تعالى الذي يمنحك مثل تلك المواهب وجعل قيادتها لك.
   إن عقلنا الباطني ليس إلا ما نصنعه نحن بأفكارنا الواعية فإذا أثّرنا على عقلنا هذا بأننا ننجح في أعمالنا، وأننا نمتلك القدرة على ذلك، فإننا فعليًا نأمر هذه الطاقة الخلاقة الداخلية لكي تنتج لنا هذه الحالة.
   أما إذا شحنّاه بالتفكير بالفشل والايحاء إليه بأنه غير قادر على النجاح، وأنه على وشك أن ينهار فإنه سيتصرف كذلك، وفي الحقيقة فإن ذاتنا الداخلية متوازنة ذهنيًا، ولكن حينما نفرض عليها المخاوف والهموم التي لا داعي لها فإننا نجعلها تفقد التوازن، فبدل أن تدلنا على الطريق الصحيح تدفعنا الى الهاوية.
فالمطلوب إذًا هو السيطرة على العقل الباطني عبر السيطرة على العقل الواعي وازالة المخاوف والافكار الخاطئة التي علقت به، وسرعان ما تكتشف أنك تمتلك طاقة هائلة تكفي لمواجهة كل الصعاب والمشاكل.
   إن في وسع أي إنسان أن ينجح في الحياة وأن يتجاوز كل عقبات الطريق، إذا عرف كيف يفكر بلغة الصور الذهنية الإيجابية بدل الصور السلبية، فأي تبديل في الموقف الذهني يعني تبديلاً في الحياة كلها، فأذا كانت لديك صورة النجاح فحظك النجاح، لأنك ستطبق تلك الصورة في الواقع الخارجي، أما اذا اصبحت لديك صورة فشل فسوف تفشل.
   تصرف وكأنك لابد أن تنجح معتبرًا نجاحك حقيقة مؤكدة ولا تشك في ذلك حتى وإن فشلت فحتمًا ستجد في النهاية طريق النجاح.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق